محمود سالم محمد
32
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
عام يظهرون اهتماما فائقا بمحمل الحج ، ويحتفلون لذلك ، ويدورون به في شوارع القاهرة قبل خروجه إلى مكة المكرمة ، مملوآ بالأموال وكسوة الكعبة والإعانات لأهلها « 1 » ، فيضفون على الحج هالة من القداسة ، ويثيرون شوق الناس إلى تأديته ، ويحركون كوامن نفوس الشعراء الذين ينظمون قصائد التشوق للمقدسات ، وقصائد مديح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل قول نجم الدين القحفازي « 2 » معبرا عن عواطفه الدينية حين رأى موكب الحج قادما من الحجاز : يا نياق الحجيج لا ذقت سهدا * بعدها لا ولا تجشّمت وخدا لا فدينا سواك بالرّوح منّا * أنت أولى من بات بالرّوح يفدى مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا * بوجوه رأت معالم سعدى « 3 » ويظهر أن الحديث في هذا العصر حول زيارة قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد اتسع ، وتباينت آراء رجال الدين حولها ، فمنهم من جعلها قريبة من الفرض ، ومنهم من جعلها سنّة محمودة ، ومنهم من أنكر التوسل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند زيارته ، وطالب بأن يتوجه الناس بالدعاء إلى اللّه - تعالى - مباشرة ، لكن جميع المسلمين اتفقوا على تعظيم النبي الكريم وتبجيله ، وتفضيله على الناس أجمعين ، فقيل في ذلك : « اعلم أن زيارة قبره الشريف صلّى اللّه عليه وسلّم ، والسفر إليه من أحسن وجوه تعظيمه المتّفق على مشروعيته ، وهي مع ذلك من أكبر أنواع التوسل به صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اللّه - تعالى - لقضاء الحاجات الدنيوية والآخروية » « 4 » . إلا أن منتقدي طريقة زيارة قبر رسول اللّه والتوسل به لم يرضوا عن ذلك ، فألّف
--> ( 1 ) المقريزي : السلوك 1 / 1177 . ( 2 ) نجم الدين القحفازي : علي بن داود بن يحيى ، شيخ أهل دمشق في عصره ، وخاصة في العربية ، له النظم والنثر والكتابة الفائقة ، درّس وخطب ، وكان يعرف الأسطرلاب ويحل التقاويم ، توفي سنة ( 744 ه ) . ( 3 ) ابن شاكر : فوات الوفيات 3 / 25 . ( 4 ) النبهاني : شواهد الحق ص 30 .